أبي حيان التوحيدي

345

المقابسات

99 مقابسة [ في أن العالم من حيث هو كائن فاسد ومن حيث هو فاسد كائن ] سمعت بعض مشايخنا ببغداد ، وغالب ظني أنه نظيف الرومي « 1 » يقول : العالم من حيث هو كائن فاسد ، ومن حيث هو فاسد كائن ، فلذلك نظمه بدد ، وبدده نظم ، ومتصله مفصول ، ومفصوله متصل ، وغفله موسوم ، وموسومه غفل ، ويقظته رقاد ، ورقاده يقظة ، وغناه فقر ، وفقره غنى ، وحياته موت ، وموته حياة ؛ قال : فلا أطيل ، هاهنا مثل ينزع إلى الحس ضرورة ويعترف به العقل اضطرارا : أنظر إلى السماء نظرا شافيا ، وتأملها تأملا بليغا ، وجل في آفاقها ببحثك ونظرك مليا ، واستقر صورها استقراء تاما ، فإنك تجد نجومها منتثرة متساقطة كأن سلكها قد وهى ، ونظمها قد انخرط . على هذا إدراك الحس ، وسابق العيان ، وشهادة النظر ، وظاهر الخبر والأثر ، ثم إنك لا تستثبت بعد إمعان النظر وإنعام الفحص ومواصلة

--> ( 1 ) هو القس نظيف النفس الرومي . كان في خدمة عضد الدولة بن بويه ، خبيرا باللغات جيد النقل من اليوناني إلى العربي ، وكان من أفاضل الأطباء ، غير أنه لم يكن سعيد المباشرة ولا منجح المعالجة ، وكان الناس يتطيرون منه ويولعون به إذا دخل لي مريض ، ومما يحكى عنه في هذا الباب أن أحد القواد مرض فأنفذه عضد الدولة لعيادته ، فلما خرج من عند القائد استدعى ثقته وأنفذه إلى حاجب عضد الدولة ليقف له على نية الملك فيه ، ويقول له : إن كان ثم تغير نية فليأخذ له الاذن في الانصراف والبعد ، فقد قلق لما جرى به ، فسأله الحاجب عن سبب ذلك فقال : ما أعرف أكثر من أنه جاءه نظيف الطبيب وقال له مولانا الملك أنفذنى لعيادتك . فمضى الحاجب وأعاد الحديث على عضد الدولة فضحك وأمره بالمضي اليه وإعلامه بحسن نيته فيه . وحملت إلى هذا القائد الخلع السنية الدالة على رضاء الملك عنه فسكنت نفسه وزال الشاغل عن قلبه . ثم أن عضد الدولة عين نظيفا في البيمارستان الذي أنشأه ببغداد